فضاء التدوين!, مصراته

نص الحوار الذي أجراه معي موقع (بص وطل) المصري


مصراتة مدينة الصمود.. ننتصر أو نموت!

مصراتة هي مفتاح الثورة الليبية في الغرب
كتب: محمد أبو الغيط

إذا كانت بنغازي هي مفتاح الثورة الليبية في الشرق، فقد كانت مصراتة هي مفتاحها في الغرب، وعلى صخرتها تكسرت مخططات القذافي رغم كل ما دفعته من دم ودمار.. حين زارها الكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي قال:

“لا أعتقد أبدا أنّي رأيت مدينة دمرت تدميرا منهجيا مثل مصراتة، أتذكر ما رأيته في أوامبوا في أنجولا، وفي أبيي في السودان، وكنت شاهدا لمحنة سراييفو في البوسنة، لكن ما رأيته في مصراتة اليوم لم أره في حياتي أبدا، والشيء الآخر الذي لم أتصوره هو حجم الشجاعة والبطولة لدى سكان المدينة، صحيح أن المجتمع الدولي تدخل لمنع المجزرة في بنغازي، لكن في مصراتة السكان أنفسهم من أوقفوا حدوث ذلك.

لذا كان لنا هذا الحوار مع أحد شباب الثورة في مصراتة، وهو أحمد علي بن وفا، خريج كلية العلوم البالغ من العمر 29 عاما، يعمل مدرسا، وهو صاحب مدونة “صنع في ليبيا”.

هل حقا أتت الثورة الليبية مفاجأة بعد أربعة عقود من الصمت، كما تكرر على ألسنة العديد من الناس؟

لا هي لم تكن أبدا أربعة عقود من الصمت، فقد جرت عشرات المحاولات لإزاحة القذافي عن الحكم، بعضها كان من المؤسسة العسكرية وزملائه في انقلاب سبتمبر -كالحركة التي قادها عمر المحيشي عام 1975- ثم وصلت ذروتها عام 1984 في المحاولة الشهيرة لاقتحام باب العزيزية، وآخرها كانت الانتفاضة الشعبية عام 2006، بدأت أحداثها كالاحتجاج على نشر رسوم مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام في إيطاليا، ثم تحولت لتظاهرات عنيفة ضد النظام سقط على إثرها 14 قتيلاً وعشرات الجرحى.. وحتى ثورة 17 فبراير كانت شرارة بدايتها اعتقال محاميي أسرَ شهداء سجن بوسليم 1270 سجين قتلهم النظام بدم بارد عام 1996، الذين صعّدوا من التظاهرات والوقفات الاحتجاجية خلال العامين الماضيين.

كيف كنتم تنظرون لثورات تونس ومصر؟

ساند الشعب الليبي تلك الثورات منذ بدايتها، وتابع أخبارها بحماس وأمل كبيرين؛ لأننا نعاني مثلكم نظاما ديكتاتوريا يحكم منذ عقود، ويسعى إلى التوريث. وقد خرج الآلاف في مصراتة قبل أيام تضامنا مع الثورة السورية، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها المدينة، أما في بنغازي حيث إن الأمور مستقرة، فإن المسيرات المؤيدة للثورات العربية لا تتوقف.
وبقدر سعادتنا بنجاح الثورة التونسية ملهمة الثورات العربية، فإن الرهان الحقيقي كان ثورة 25 يناير في مصر؛ لأن النظام السابق كان يمتلك أقوى بوليس قمعي في المنطقة، وحين نجحت الثورة في مصر أدرك الليبيون أن هذه المعجزة يمكن أن تتحقق أيضا في بلادهم.

اروِ لنا شهادتك عن بداية الثورة في مصراتة، وكيف تطورت أحداثها من شعبية سلمية إلى حرب مسلحة؟

خرج الناس في تظاهرات بمدينة مصراته يوم 19/ 2 احتجاجا على القتلى الذين سقطوا في بنغازي خلال اليومين الماضيين، ورغم أنها المدينة الوحيدة التي أبلغت النظام بشكل رسمي أنها ستخرج في تظاهرات “سلمية”؛ فإن النظام تصدّى لها بعنف شديد، وبعد سقوط قتلى انتفضت المدينة بقوة، وخرجت مسيرات ضخمة استهدفت مقار الأجهزة الأمنية، وخلال يومين فقط سيطر الثوار على مصراتة وفرّت الكتائب.. وغنم الثوار العديد من الأسلحة الخفيفة -في معظمها كلاشينكوف- وبها بدأ الثوار مناوشاتهم مع الكتائب المتجمعة في المطار، والكلية الجوية جنوب المدينة.

واستمر الوضع حتى قررت الكتائب اقتحام المدينة يوم 6 مارس، مستخدمة الدبابات والعربات المصفحة وناقلات الجنود، ونظرا للفرق الشاسع في موازين القوى قرر الثوار نصب كمين لها وسط المدينة، فسمحوا لها بالدخول حتى وصلت الساحة المقابلة لمجمع المحاكم، وهنا فاجأهم الثوار من فوق أسطح العمارات مستخدمين الكلاشينكوف وبضع قاذفات RBG وزجاجات المولوتوف، فأعطبوا دبابات وعربات مصفحة وتمكنوا من قتل عدد كبير من الجنود، وهو ما دفع بهذا القوات إلى الفرار.. ثم عادت الكتائب يوم 16 مارس بجيش كبير فاق قوامه 10 آلاف مقاتل.

هل كانت مطالب الناس منذ اليوم الأول بنفس سقفها المرتفع بعدها؟

لا بالطبع.. صحيح أن بعض المتحمسين نادى بإسقاط النظام منذ اليوم الأول، لكن معظم الناس هنا كان يترقب إعلان النظام عن إصلاحات حقيقية؛ كمحاربة الفساد، وزيادة المرتبات، وتوفير المساكن للشباب، وإكمال مشروع الدستور، وحرية الصحافة… إلخ. وهي في مجملها مطالب بسيطة في بلاد توصف بأنها “أغنى دولة وأفقر شعب”، لكن هذا لم يعد مجديا بعد سقوط مئات القتلى في الأيام الأولى للتظاهرات.. ويجب أن أشير هنا إلى أن السلاح الرئيسي الذي استخدم لم يكن الرصاص، بل كانت المدافع المضادة للطائرات (المعروفة في ليبيا بـ م.ط أو 14.5 مم) لهذا كانت معظم الجثث تعاني تشوهات كبيرة كبتر الأطراف، وانتزاع الرأس.

اروِ لنا أكثر موقف شاهدته أو عرفته كان له التأثير الأعمق في نفسك؟

سأتحدث عن موقفين مؤثرين: 

لا يمكن أن أنسى ما حييت ما حدث يوم 16/ 3/ 2011 حين استيقظنا في الصباح الباكر على دوي انفجارات عنيفة تهز المدينة، ثم لاحت طلائع الكتائب القذافي التي اقتحمت المدينة من ثلاثة محاور، وكانت تقصف المباني والسيارات والمارة بطريقة همجية، بينما ترتفع أصوات التكبير من المساجد لدعم الثوار.. وكانت رؤية الأعلام الخضراء فوق الدبابات والناقلات أمرا مؤلما جدا، وبدا أشبه بدخول قوات احتلال أجنبي جديدة إلى المدينة..

الموقف الآخر هو مشهد انتزاع رصاصة من طفلة صغيرة، أطلقت عليها كتائب القذافي النار، ولنقص التجهيزات الطبية وقتها كان الأطباء يطلبون منها قراءة الفاتحة ليشغلوها عن الألم:

إضغط لمشاهدة الفيديو:

ما هو الوضع الآن في مصراتة على الأصعدة كافة؟

عسكريا يسيطر الثوار على مدينة مصراتة وضواحيها منذ أكثر من شهر، وتدور المعارك الآن مع الكتائب المتمركزة شرقا (في بلدة تاغوراء) وغربا (في مدينة زليتن)، أما الأحوال المعيشية فقد تحسنت كثيرا؛ بعد تأمين الميناء، وتحرير المناطق الزراعية الموجودة في ضواحي المدينة، لهذا أصبحت المواد الغذائية متوفرة بشكل طبيعي تقريبا، وبنفس الأسعار.

أما من الناحية الإدارية فإن الأوضاع مستقرة تماما؛ لأن الثوار منذ البداية شكلوا لجنة تسييرية يرأسها قضاة تدير شئون المدينة، وانضمت هذه اللجنة بعدها إلى المجلس الوطني الانتقالي.

لكن حصل تطور خطير خلال الأسبوع الماضي، فقد تحصلت الكتائب على صواريخ بعيدة المدى، وباتت تقصف بشكل شبه يومي وسط المدينة، يقال إن هذه هي صواريخ لونا R17، وقد شاهدت بعضها في معارض تقوم بجمع الأسلحة والقنابل والصواريخ التي قصفت بها مصراتة، وأدهشني أن بعض صواريخ لونا يصل طولها إلى 5 أمتار.

هل هناك خصوصية معينة لمصراتة أدت للعبها دور الصمود البطولي إبان الاحتلال الإيطالي ثم في الثورة حالياً؟

لمعرفة خصوصية مصراتة يجب أولاً أن نعيد قراءة تاريخها؛ فهي مدينة عريقة، تعود لأكثر من 3 آلاف عاما، حين أسسها الفينيقيون وأسموها “توباكت”، كما اشتهر أهلها بالفروسية والشجاعة منذ القدم، وكان هذا أحد أسباب تزعمها لحركة الجهاد؛ حتى قال الطاهر أحمد الزاوي أحد المؤرخين الليبيين: “إن حياة الحركة الوطنية رهن بوجود مصراتة في يد العرب، وما خرجت مرة من أيديهم إلا وانقطع الجهاد من طرابلس”، وما لا يعرفه الكثيرون أن مصراتة كانت نواة أول جمهورية دستورية في الوطن العربي (الجمهورية الطرابلسية) التي ولدت عام 1918، ونشأت بها حكومة وطنية لها دستور، ولجان تدير شئونها كافة، وبها مصانع مدنية وعسكرية، وواحدة من أوائل الكليات العسكرية في المنطقة، وكانت هذه الحكومة تبسط نفوذها على مدن تمتد لمئات الكيلومترات، واستمرت أربع سنوات قبل أن يحتل الطاليان جميع المدن الليبية.

ورغم أنها الآن مدينة عصرية كبيرة سكانها نصف مليون نسمة، وبمثابة العاصمة الاقتصادية للبلاد، فإن معظم أهلها ينتمون لعائلات عريقة تسكن المدينة منذ مئات السنين لهذا توصف بـ”القرية الكبيرة”؛ لأن معظم أهلها يعرفون بعضهم، وينتمون إلى مدينتهم، كما أنهم في غالبيتهم من التجار أو ممارسي الأعمال الحرة الذين لا علاقة لهم بالنظام.

وعندما حدثت الثورة رأينا تلاحما رائعا؛ فآلاف العائلات التي نزحت من المناطق التي تم احتلالها أو استهدافها بالقصف المركز قام الناس في المناطق الآمنة باستقبالها، وتقاسموا معها منازلهم، وطعامهم، وهناك محال تجارية كثيرة قام أصحابها بتفريغها بشكل كامل وتوزيع ما بها على الأسر بالمجان، وكانت الشاحنات التي تحمل صهاريج تقف في الطرقات لتوفر ماء الشرب دون مقابل، كما أن معظم عيادات المدينة أصبحت تُقدِّم خدماتها مجانا، بينما توزع الصيدليات الدواء بسعر التكلفة.

هل للبعد القبائلي دور في الثورة الليبية؟

لم يكن للقبيلة دور في الثورة؛ لأننا مجتمع مدني بالأساس، ولسنا مجموعة من العشائر والقبائل كما حاول القذافي أن يوهم العالم، فلا أحد يتحدث عن ولائه للقبيلة؛ لأنها أصلا بلا زعيم أو تنظيمات من أي نوع، وذاب أبناؤها وسط النسيج السكاني لمصراتة وليبيا عموما.

هل من الممكن حدوث حرب أهلية بين الشعب في ليبيا؟

هذا السيناريو الذي طالما استخدمه القذافي كفزاعة غير وارد على الإطلاق، فقد حاول بث النعرات القبلية منذ البداية وفشل، ثم راهن على تقسيم البلاد، فانتفضت المدن في كل أنحاء ليبيا تهتف: ليبيا وحدة وطنية.. لا شرقية ولا غربية.

ما هو تقييمك للدور العربي والدولي في ليبيا؟

دوليا تباينت المواقف حسب مصالح كل دولة، فثمة من راهن على الثوار منذ البداية كفرنسا، ودول أخرى كانت من أهم حلفاء القذافي ثم تخلت عنه كإيطاليا، بينما اختارت دول كالصين وروسيا الانحياز التام للقذافي، أما الموقف العربي فكان محبطا جدا، فباستثناء قطر التي لن ننسى أبدا ما قدمته من مساعدات إنسانية ودعم سياسي، تليها دولة الإمارات بدرجة أقل، كان الدور العربي في مجمله باهتا للغاية، وتراوح بين وعود بتقديم مساعدات مالية للثوار دون اعتراف رسمي أو الاكتفاء بشجب واستنكار ما يحدث، بينما قررت دول كثيرة أن تبقى على الحياد.

لكن الأدهى كان دعم بعض الأنظمة العربية للقذافي كما فعل النظامان السوري والجزائري، لكنني شخصيا كنت أنتظر الكثير من تونس ومصر على وجه الخصوص.

كيف تنظر لمستقبل الثورة في ليبيا؟ وما هي أهم المخاوف المطروحة على الساحة؟

سقوط النظام بات مسألة وقت، لكن مخاوفي الآن محصورة في توقيت سقوطه بالكامل، فكل يوم يمضي يعني سقوط المزيد من القتلى وإلحاق المزيد من الدمار، واستمرار النظام في استنزاف ثروات البلد، فبعد أن نهب القذافي رصيد البلاد من العملة الأجنبية والسبائك الذهبية، سمعنا مؤخرا عن قيامه بتفريغ مجمع المتاحف بالسراي الحمراء من جميع مقتنياته بشكل شبه كامل؛ بدعوى تخزينها في أماكن آمنة، بينما بدأت عمليات التهريب المنظم لتلك القطع الأثرية التي لا تقدّر بثمن.

هل هناك كلمة أخيرة تُودّ إضافتها؟

بعد سقوط القذافي سيكتشف العالم ليبيا جديدة، وسيعيد قراءة تاريخ وحضارة هذا البلد العريق، آن لهذا الشعب الذي ضحّى طويلا أن يرتاح أخيرا، وأن ينعم بدولة حديثة ترفرف فوقها راية الحرية والعدالة.

(رابط اللقاء علي موقع بص وطل)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s